مير سيد علي الحائري الطهراني ( المفسر )
38
تفسير مقتنيات الدرر
لمّا ذكر سبحانه في هذه السورة أنواعا من علوم الأصول والفروع ختم السورة بهذه الآية المشتملة على حقيقة الآداب لأنّ أحوال الإنسان قسمان : منها ما يتعلَّق به وحده ومنها ما يكون مشتركا بينه وبين غيره . أمّا القسم الأوّل فلا بدّ فيه من الصبر حتّى أنّ الإنسان لا بدّ أن يصبر على مشقّة النظر والاستدلال في معرفة التوحيد والعدل والنبوّة فهذا في الأصول ، وأمّا في الفروع فلا بدّ أن يصبر على أداء الواجبات والمندوبات ومشقّة التحمّل عن النفس في الاحتراز عن المنهيّات وشدائد الدنيا وآفاتها من المرض والفقر والقحط والخوف وأمثالها فقوله تعالى : « اصْبِرُوا » يدخل تحته هذه الأقسام . وأمّا المصابرة فهي عبارة عن تحمّل المكاره الواقعة بينه وبين الغير ويدخل فيه تحمّل الأخلاق الرديئة من الأهل والجيران والأقارب ويدخل فيه ترك الانتقام ممّن أساء إليك كما قال : « وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ » « 1 » ويدخل فيه الإيثار على الغير . وبالجملة * ( [ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا ] ) * على مشاقّ التكليف وما يصيبكم من الشدائد * ( [ وَصابِرُوا ] ) * وغالبوا على أعداء اللَّه في الجهاد وعلى أعدا عدوّكم في الصبر على مخالفة الهوى ، والمصابرة أفضل من الصبر ، والصبر هو حبس النفس عمّا تريد وعمّا لا يرضاه اللَّه وأوّل درجته التصبّر وهو التكلَّف لذلك ثمّ المصابرة ثمّ الاصطبار والالتزام * ( [ وَرابِطُوا ] ) * أنفسكم على الطاعة وأبدانكم وخيولكم في الثغور قال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله : ألا أدلَّكم على ما يمحو اللَّه به الخطايا ويرفع به الدرجات ؟ قالوا : بلى يا رسول اللَّه ، قال : إسباغ الوضوء على المكاره وكثرة الخطى « 2 » إلى المساجد وانتظار الصلاة بعد الصلاة فذلكم الرباط فذلكم الرباط . * ( [ وَاتَّقُوا اللَّه َ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ] ) * لكي تفلحوا غاية الفلاح ، واتّقوا القبائح لعلَّكم تفلحون بنيل المقامات الثلاثة المرتّبة الَّتي هي الصبر على مضض الطاعات ومصابرة النفس في رفض العادات ومرابطة السرّ وعقد القلب على الترصّد لإيجاب الواردات المعبّر عنها بالشريعة .
--> ( 1 ) الأعراف : 199 . ( 2 ) جمع الخطوة .